محمد بن جرير الطبري
166
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ؛ لأَنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ويلزم سامعه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع منه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل منه الكذب والخطأ والسهو . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد . فأولى التأويلات إذ كان الأَمر كذلك بالآية ، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالة مما يصح مخرجه في المفهوم . فإن قال قائل : فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرت من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته في الأَرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ، فمن أجل ذلك قالت الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فأين ذكر إخبار الله إياهم في كتابه بذلك ؟ قيل له : اكتفي بدلالة ما قد ظهر من الكلام عليه عنه ، كما قال الشاعر : فلا تدفنوني إن دفني محرم * عليكم ولكن خامري أم عامر فحذف قوله دعوني للتي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر ، إذ كان فيما أظهر من كلامه دلالة على معنى مراده . فكذلك ذلك في قوله : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها لما كان فيه دلالة على ما ترك ذكره بعد قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً من الخبر عما يكون من إفساد ذريته في الأَرض اكتفى بدلالته وحذف ، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر ونظائر ذلك في القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى . فلما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول في تأويل قوله : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ القول في تأويل قوله تعالى : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال أبو جعفر : أما قوله : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ فإنه يعني : إنا نعظمك بالحمد لك والشكر ، كما قال جل ثناؤه : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكما قال : وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وكل ذكر لله عند العرب فتسبيح وصلاة ، يقول الرجل منهم : قضيت سبحتي من الذكر والصلاة . وقد قيل إن التسبيح صلاة الملائكة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وأنت جالس فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال : ما أظن إلا سيمر عليك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب ، فقال له : يا فلان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنت جالس فقال له مثلها فقال : هذا من عملي . فوثب عليه فضربه حتى انتهى . ثم دخل المسجد فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفتل النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه عمر ، فقال : يا نبي الله مررت آنفا على فلان وأنت تصلي ، فقلت له : النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنت جالس فقال : سر إلى عملك إن كان لك عمل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فهلا ضربت عنقه " فقام عمر مسرعا . فقال : " يا عمر ارجع فإن غضبك عز ورضاك حكم ، إن لله في السماوات السبع ملائكة يصلون له غنى عن صلاة فلان " . فقال عمر : يا نبي الله وما صلاتهم ؟ فلم يرد عليه شيئا . فأتاه جبريل ، فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء ؟ قال : " نعم " ، فقال : اقرأ على